الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
324
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعابدات : المقبلات على عبادة اللّه وهذه الصفات تفيد الإشارة إلى فضل هذه التقوى وهو المعنى السابع عشر من معاني العبرة في هذه الآيات . والسائحات : المهاجرات وإنما ذكر هذا الوصف لتنبيههن على أنهنّ إن كنّ يمتنّ بالهجرة فإن المهاجرات غيرهن كثير ، والمهاجرات أفضل من غيرهن ، وهذه الصفة تشير إلى المعنى الثامن عشر من معاني الاعتبار في هذه الآي . وهذه الصفات انتصبت على أنها نعوت ل أَزْواجاً ، ولم يعطف بعضها على بعض الواو ، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن ولو عطفت بالواو لاحتمل أن تكون الواو للتقسيم ، أي تقسيم الأزواج إلى من يثبت لهن بعض تلك الصفات دون بعض ، ألا ترى أنه لما أريدت إفادة ثبوت إحدى صفتين دون أخرى من النعتين الواقعين بعد ذلك كيف عطف بالواو قوله : وَأَبْكاراً لأن الثّيبات لا يوصفن بأبكار . والأبكار لا يوصفن بالثيّبات . قلت وفي قوله تعالى : مُسْلِماتٍ ، إلى قوله : سائِحاتٍ محسن الكلام المتزن إذ يلتئم من ذلك بيت من بحر الرمل التام : فاعلتن فاعلتن فاعلتن * فاعلاتن فاعلاتن فاعلتن ووجه هذا التفصيل في الزوجات المقدرات لأن كلتا الصفتين محاسنها عند الرجال ؛ فالثيب أرعى لواجبات الزوج وأميل مع أهوائه وأقوم على بيته وأحسن لعابا وأبهى زينة وأحلى غنجا . والبكر أشد حياء وأكثر غرارة ودلا وفي ذلك مجلبة للنفس ، والبكر لا تعرف رجلا قبل زوجها ففي نفوس الرجال خلق من التنافس في المرأة التي لم يسبق إليها غيرهم . فما اعتزت واحدة من أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم بمزية إلا وقد أنبأها اللّه بأن سيبدله خيرا منها في تلك المزية أيضا . وهذا هو المعنى التاسع عشر من معاني الموعظة والتأديب في هذه الآيات . وتقديم وصف ثَيِّباتٍ لأن أكثر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمّا تزوجهن كن ثيبات . ولعله إشارة إلى أن الملام الأشد موجه إلى حفصة قبل عائشة وكانت حفصة ممن تزوجهن ثيبات وعائشة هي التي تزوجها بكرا . وهذا التعريض أسلوب من أساليب التأديب كما قيل : « الحر تكفيه الإشارة » . وهذا هو المعنى العشرون من مغزى آداب هذه الآيات .